مجمع البحوث الاسلامية

736

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أو بغير حبل من اللّه عزّ وجلّ ، وغير حبل من النّاس ، فالذّلّة مضروبة عليهم ، على ما ذكرنا عن أهل التّأويل قبل . فلو كان قوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ استثناء متّصلا ، لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهد وذمّة ، ألّا تكون الذّلّة مضروبة عليهم ؛ وذلك خلاف ما وصفهم اللّه به من صفتهم ، وخلاف ما هم به من الصّفة ، فقد تبيّن أيضا بذلك فساد قول هذا القائل أيضا . ولكنّ القول عندنا : أنّ الباء في قوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أدخلت ، لأنّ الكلام الّذي قبل الاستثناء مقتض في المعنى الباء . وذلك أنّ معنى قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا : ضربت عليهم الذّلّة بكلّ مكان ثقفوا ، ثمّ قال : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ على غير وجه الاتّصال بالأوّل ، ولكنّه على الانقطاع عنه . ومعناه : ولكن يثقفون بحبل من اللّه وحبل من النّاس ، كما قيل : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً النّساء : 92 . فالخطأ وإن كان منصوبا بما عمل فيما قبل الاستثناء ، فليس قوله باستثناء متّصل بالأوّل بمعنى ( الّا خطأ ) ، فإنّ له قتله كذلك . ولكن معناه : ولكن قد يقتله خطأ ، فكذلك قوله : أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وإن كان الّذي جلب الباء الّتي بعد ( الّا ) الفعل الّذي يقتضيها قبل ( الّا ) ، فليس الاستثناء بالاستثناء المتّصل بالّذي قبله بمعنى أنّ القوم إذا لقوا ، فالذّلّة زائلة عنهم ، بل الذّلّة ثابتة بكلّ حال ، ولكن معناه ما بيّنّا آنفا . ( 4 : 48 ) الرّمّانيّ : وما ذكره الفرّاء ضعيف من وجهين : أحدهما : حذف الموصول ؛ وذلك لا يجوز عند البصريّين في شيء من الكلام ، لأنّه إذا احتاج إلى صلة تبيّن عنه ، فالحاجة إلى البيان عنه بذكره أشدّ . وإنّما يجوز حذف الشّيء للاستغناء بدلالة غيره عليه ، فلو دلّ دليل عليه ، لحذف مع صلته ، لأنّه معها بمنزلة شيء واحد . والوجه الآخر : أنّ الكلام إذا صحّ معناه من غير حذف ، لم يجز تأويله على الحذف . ( الطّوسيّ 2 : 561 ) الطّوسيّ : [ ذكر بعض الأقوال ثمّ قال : ] وسمّي العهد : حبلا ، لأنّه يعقد به الأمان ، كما يعقد بالحبل من حيث يلزم به الشّيء ، كما يلزم بالحبل . [ ثمّ استشهد بشعر ] والعامل في الباء من قوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ يحتمل أن يكون العامل محذوفا ، والمعنى إلّا أن تعتصموا بحبل من اللّه ، على قول الفرّاء . [ ثمّ استشهد بشعر . ونقل كلام الرّمّانيّ وأضاف : ] ( الّا بحبل . . . ) قيل : في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنّه منقطع ، لأنّ الدّلالة لازمة لهم على كلّ حال ، فيجري مجرى قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً فعامل الإعراب موجود ، والمعنى على الانقطاع ، ومثله لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلًا سَلاماً الواقعة : 25 ، 26 ، وكلّ انقطاع فيه فإنّما هو لإزالة الإيهام الّذي فيه يلحق الكلام ، فقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً قد يتوهّم أنّه من حيث لا يسمعون فيها كلاما ، فقيل لذلك : إِلَّا قِيلًا سَلاماً وكذلك وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً قد بتوهّم أنّه لا يقتل مؤمن مؤمنا على وجه ، فقيل لذلك : ( الّا